هل تتحول المناوشات الصينية الهندية إلى حرب؟

دفع الاشتباك الأخير الذي نشب في الخامس من أيار/ مايو الجاري، بين جنود هنود وصينيين بالقرب من بحيرة بانجونج تسو في إقليم لاداخ المتنازع عليه، بعض المحللين إلى الاعتقاد بأن السلام النسبي بين البلدين لا يبدو حتميا.

وأعدت مجلة “فورين بوليسي” تقريرا بهذا الصدد، شددت فيه على أن السلام المتوتر المستمر بين البلدين منذ عام 1975، قد لا يدوم في حال طرأ تصعيد بين الطرفين، خاصة وأن قوتهما تتزايد في المنقطة.

صراع قديم قد يتجدد

لفتت المجلة إلى أن التوترات بين الدولتين الجارتين على أطول حدود غير محددة في العالم، تعود للقرن الماضي، منذ أن خاضتا حربا كاملة عام 1962، لتستمر على شكل مناوشات صغيرة حتى عام 1975.

توضيحية (أرشيفية – أ ب)

ومع توقف المناوشات، وتوصل البلدين إلى صيغة شبه سلمية عام 1988، إلا أن الأحداث الأخيرة تشير إلى ارتفاع احتمال التصعيد بينهما، إذ يملك كلا الجانبين انتشارا عسكريا كبيرا ومتزايدا على طول الحدود المتنازع عليها. ولأكثر من عقد من الزمن، كان الجيش الصيني يتحدى جاهزية الهند العسكرية وعزمها السياسي في العديد من المجالات الاستراتيجية، بحسب ما تقوله المجلة.

ووقع الاشتباك بين عناصر الجيشين بداية الشهر الجاري بسبب اعتراض الصين على الدوريات العسكرية الهندية في المنطقة على ما يبدو، إذ تبادل الجنود ضرب الحجارة دون إطلاق رصاصة واحدة بين الطرفين، ولكن أُصيب عشرات الجنود من بينهم ضابط هندي كبير تطلبت إصابته نقله جوا إلى المستشفى.

(أ ب)

وتدعي الهند أن الجيش الصيني تجاوز الحدود الهندية أكثر من 1025 مرة بين العامين 2016 و2018، ولكن بالنظر إلى أن حدود الصين والهند لا تزال غير محددة، فمن المحتمل أن تكون هذه التجاوزات متجذرة في المفاهيم المختلفة بين بكين ونيودلهي حول مدى امتداد أراضيهما.

وفي عام 2017، حدثت مواجهة بين الجيشين أيضا في منطقة دولام المتنازع عليها بين الصين ومملكة بوتان، في تصعيد كان قاب قوسين أو أدنى لأن يتحول لاشتباك عسكري خطير. وفي حين أن الدولتين نجحتا بتخفيف حدّة التوتر وقتها، ولكنهما دخلتا في مرحلة عداء جديدة بعد أن كانتا قد تمتعتا بسلام نسبي لعقود، والذي عاد بالمنفعة الاقتصادية والاستراتيجية على أكبر بلدين في العالم من حيث تعداد السكان.

وكان محرك ذلك وقتها، الحاجة الملحة للصين كما للهند، لبيئة إقليمية مستقرة لتعزيز التنمية الاقتصادية المحلية، وهو ما نجحتا به بالفعل على مدار العقود التي تلت التسوية في 1988.

(أ ب)

وقالت المجلة عن تلك التسوية، إنها نجحت جزئيا، بفضل “صمت” الهند عن التطورات داخل التبت، وكانت مدفوعة بحقيقة أن البلدين كانا شبه متساويين على المسرح العالمي، إن كان ذلك من حيث القرب بنتائج الناتج المحلي القومي، أو بالإنفاق العسكري عام 1988. ولكن ميزان القوى بين البلدين تغير منذ ذلك الحين، ففي 2018 مثلا، سجل الناتج المحلي القومي الصيني، 13.6 مليار دولار، وهو ما يعادل خمسة أضعاف الناتج الإجمالي الذي سجلته الهند في العام ذاته، وأما بالنسبة للجانب العسكري، فقد أنفقت الصين عام 2019، 261 مليار دولار مقبل 71 مليار دولار أنفقتها الهند.

أي أنه، وفي حين ارتفعت قوّة الهند الاقتصادية والعسكرية على مدار العقود الماضية، إلا أنها انخفضت نسبيا مقارنة بالصين.

تداعي التسوية

قالت “فورين بوليسي” إنه رغم عدم وضوح متى بالضبط بدأ التفاهم ينهار بين البلدين، إلا أنها ترجح أن الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 كانت محركه، إذ أصبحت الصين بعدها، أكثر حزما بكثير إزاء شؤونها الخارجية، بدءا من تشييد الجزر الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي، ووصولا إلى اتبعها دبلوماسية القوة مؤخرا في أعقاب تفشي فيروس كورونا المستجد، ناهيك عن صعود قوة بكين النسبية أمام واشنطن.

(أ ب)

ويعقد سياق دينامكيات القوة الجديدة، العلاقات الهندية الصينية خاصة أن تسوية عام 1988 لم تحل أي من القضايا العالقة بين الطرفين، ولا حتى النزاع الحدودي، بل أوقفتها فقط. وتشمل هذه الخلافات بعض القضايا المركزية، مثل التنافس الصيني الهندي على التبت، وازدهار العلاقات بين الصين وباكستان التي تعتبرها الهند عدوا.

وتواصل الصين تفوقها على الهند على معظم المحاور رغم أن الأخيرة سجلت معدلات نمو أعلى من جارتها على مدار الأعوام 2014 وحتى 2018. وقالت المجلة إنه في حين أن التأثير الاقتصادي طويل الأمد لفيروس كورونا لا يزال غير واضح، فإن الاقتصاد الأصغر في الهند ومعدلات النمو الهامشية الأسرع تعني أن لديها القدرة على تضييق فجوة القوة مع الصين على المدى الطويل. وبعبارة أخرى، فإن الهند هي القوة الرئيسية الوحيدة التي ترتفع مقارنة مع الصين، حتى مع نمو الصين بشكل أسرع من القوى الكبرى الأخرى مثل اليابان والولايات المتحدة.

وبالإضافة إلى القوى المتغيرة للبلدين على الصعيد الداخلي، فإن الهند تستمر في بناء شراكات استراتيجية متينة مع خصوم الصين، وخاصة الولايات المتحدة واليابان، وذلك في غضون جهد الصين المتزايد لتقويض السيطرة الأميركية في المشاعات البحرية في شرق آسيا من خلال تحديث الجيش وتشييد الجزر، دافعة لاستقرار على حدودها الشمالية أيضا، مع روسيا. الأمر الذي يعني أن حدودها مع الهند هي التحدي الإقليمي الأكبر بالنسبة لها اليوم.

وأوضحت المجلة أنه مع استمرار صعود الصين والهند، ستنظر الأولى بشكل متزايد إلى جارتها كمنافس غير راغب في تسوية النزاع الحدودي بشروط مواتية للصين.

ومن المتوقع أن يمتحن استمرار تجزئة النظام التجاري العالمي (من خلال فرض التعريفات والقيود على الاستثمارات)، بالإضافة إلى النزعة القومية المتزايدة حول العالم، العلاقات الصينية الهندية بشكل أكبر لأنه من المرجح أن تصبح المفاوضات التجارية أكثر تعقيدا وخلافا.

(أ ب)

وبالطبع، نظرا إلى أن بكين تعتبر نيودلهي العائق الرئيسي أمام تحقيق طموحاتها للسيطرة على آسيا، فمن المرجح جدا أن يطرأ صداما أكثر عنفا على طول الحدود الصينية الهندية المضطربة والخطيرة. إذ طالما أن الصين لم تتحول للقوة المهيمنة في جنوب آسيا (والمحيط الهندي)، فستبقى قوّة إقليمية على الأرجح.

بعبارة أخرى، إن سعي الصين للسيطرة على عموم آسيا سيكثف التنافس الصيني-الهندي المستمر حيث تسعى الهند نفسها إلى الهيمنة في جنوب آسيا.

ولتفادي دوامة الصراع هذه، قالت “فورين بوليسي” إن الهند ستحتاج إلى اتباع استراتيجية متعددة الأوجه يجب أن تتضمن عناصر تعاونية مثل دبلوماسية مؤتمرات القمة والعمل إلى جانب الصين في المؤسسات الدولية مثل منظمة شنغهاي للتعاون وبنك التنمية الجديد وبنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية.

ولكن في حين أن مثل هذه المساعي التعاونية يمكن أن تمنع العنف الحدودي، فإنها لن تعالج القضايا الجوهرية العالقة في العلاقات الصينية الهندية. إذا لم تقدم الهند تنازلات إقليمية كبيرة، فليس هناك الكثير مما يمكن أن تفعله الهند لتهدئة منابع التنافس الأساسية.