رسالة عيد الفطر للعلامة الخطيب

وجه نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب رسالة عيد الفطر المبارك التي جاء فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الانبياء والمرسلين وعلى آله الطاهرين، وبعد، فإننا نتوجه من المسلمين واللبنانيين بالتبريك والتهنئة بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك، ونسأل الله تعالى ان يعيده علينا وعلى امتنا وبلادنا بالامن والسلام وتحقيق ما نصبو اليه في الخروج من الازمات والمشاكل التي تعاني منها البلاد وان يغيّر سوء حالنا الى احسن حال، كما نسأله تعالى ان يتقبل من الصائمين صيامهم وان نكون جميعا قد بلغنا بهذا الشهر المبارك شهر رمضان ما اراده الله تعالى منا من القربى لديه، وحققنا الغاية المقصودة من الصيام الذي هو احد اهم الاركان التشريعية في الإسلام، وهي التقوى التي تعني بلوغ الدرجة التي نستطيع معها القيام بالمسؤوليات الملقاة على عاتقنا في هذه الحياة من قبل الله سبحانه وتعالى، وهذه الدرجة والمرتبة هي المؤهلات النفسية والمعنوية والفكرية التي تعبّر عن القدرة الحقيقية والقوة اللازمة للنجاح في مسيرة الحياة والثبات على طريق الاستقامة للوصول الى الاهداف التي وجدنا من اجلها.

أيها الاخوة المؤمنون، ان التقوى هي الزاد الذي نحتاجه في هذه المسيرة الى الله سبحانه وتعالى ” وتزودوا فان خير الزاد التقوى” والصيام هو احدى الوسائل التي تزودنا بهذه التقوى قال تعالى ” يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون” ونحن بالصيام نمارس عمليا حالة من المقاومة للنفس التي تريد ان تتفلت من كل القيود ، وان نكون عبيدا لها تسيرنا كما تشاء وتسلب منا ارادتنا وحريتنا، والله سبحانه وتعالى يريد لنا ان نكون احرارا في دنيانا وحياتنا لنعيش بكرامة، فلا كرامة بلا حرية كما انه لا حرية بلا كرامة، فأول هدف يحققه الصوم اذا ًهو التقوى والتقوى تعني الاستقامة في الحياة والاستقامة تعني المسؤولية فلا مسؤولية بلا ارادة ، فالاستقامة تعني السير على خط مستقيم والخط المستقيم الذي يعني وجود خط اخر مقابل وهو خط غير مستقيم والذي يعني الالتواء والانحراف المؤدي في النهاية الى السقوط، ففي التعبير القرآني بانه طريق الضلال وهو طريق المغضوب عليهم، اما الطريق الصحيح الذي يوصل حتما للهدف والنتيجة التي يسعى اليها الانسان المتقي النظيف، فهو المطلوب وهو المراد الذي يتحقق بالصوم، وبالتعبير القرآني “بالصراط المستقيم” الذي جاء في اول سورة من سور القرآن الكريم في سورة الفاتحة ” اهدنا الصراط المستقيم” هذا الصراط المستقيم الذي يعبّر عنه تعالى ايضا بأنه النعمة وانه طريق الذين انعم الله عليهم ” اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين” فمن اراد الوصول الى السعادة وكل انسان طبيعي وعاقل يريد السعادة والوصول اليها، فعليه سلوك هذا السبيل الذي يعني الكرامة والسعادة والحرية. واما الذين يبحثون عن هذه المعاني من الكرامة والسعادة والحرية عن طريق اتباع هوى النفس فقد ضلوا الطريق الذي ارشد الله الى اتباعه، وبذلك استحقوا غضبه. فطوبى للذين صاموا وحققوا تقوى الله تعالى، فأصلحوا انفسهم وملكوا ارادتهم وحريتهم وكرامتهم، فاستحقوا ان يفرحوا بما انعم الله تعالى عليهم.

أيها الاخوة المؤمنون، تعالوا لنحاسب اليوم أنفسنا ونرى ماذا حققنا؟ هل نحن من المتقين السائرين على الصراط المستقيم؟ هل ادينا معنى التقوى في سلوكنا واعمالنا وانفسنا واخلاقنا مع الله ومع الناس ؟

كما ان المقصود من تحقيق التقوى، الامة المستقيمة القائمة بمسؤولياتها تجاه قضاياها، والدول القائمة بمسؤولياتها تجاه مواطنيها، والمواطنون القائمون بمسؤولياتهم تجاه دولهم، وهنا نكرر ما دعونا اليه دائما من مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها من الحفاظ على السلم الاهلي وتقديم الرعاية الصحية والاجتماعية للمواطنين والعمل الدؤوب من اجل رفع الخلل الذي يؤدي الى شلل المؤسسات والعمل على الاصلاح ومواجهة الفساد فيها وتفعيل دور القضاء والمؤسسات الرقابية، وخصوصا ان لبنان اليوم يمر بمرحلة اقتصادية ونقدية ومالية صعبة، سبّبها الفساد وعدم قيام المؤسسات بالإصلاحات اللازمة و تعطيل المؤسسات الرقابية واعتماد المحسوبيات وسوء الادارة والاستيلاء على المال العام، حتى فقد اللبنانيون ثقتهم بدولتهم فسقطت قيمة العملة الوطنية وسادت الفوضى امام المتلاعبين بالدولار وارتفعت اسعار المواد الغذائية بصورة جنونية حتى بات اللبنانيون مهددين بالجوع.

لقد اعطى اللبنانيون الحكومة الجديدة التي تحملت عبء مسؤولية اخراج البلاد من هذه الكارثة فرصة من اجل ايجاد الحلول الانقاذية، واخذت هذه الحكومة بعض القرارات التي تتصل بلقمة عيش المواطن نأمل ان تأخذ طريقها للتنفيذ سريعا، على ان تستكمل سعيها من اجل ايجاد الحلول الاستراتيجية للوضع الاقتصادي والمالي، فالاعتماد على الاجراءات الاصلاحية الداخلية وعدم توريط البلد بالمزيد من الديون الخارجية وتحميل المواطنين المزيد من الاعباء والضرائب، وهذا ما يؤكد امكانيته اقتصاديون محترفون ومحترمون خصوصا ان الديون الخارجية ستكون بشروط قاسية. اننا ندعو الى محاسبة المسؤولين عن الانهيار الاقتصادي والفساد والسرقات، واعادة المال المنهوب واعادة المال المهرب الى الخارج من البنوك، ان المرتكبين لكل هذه القبائح لن يسهلوا للحكومة ان تتقدم بهذه الاصلاحات من دون مساندة من المواطنين والوقوف الى جانبها في القرارات الإصلاحية، لذلك كما يتحمل مواطنونا المسؤولية اليوم بجدارة في القيام بالأعباء عن الدولة في اعانة المحتاجين، فإننا نتوقع منهم ان يقفوا الى جانب الحكومة ودعمها في عملية الاصلاح وانقاذ البلد اقتصاديا وماليا ونقديا، لكن الواجب يقع اولا على الحكومة في ان تكون منسجمة في قراراتها والا تكون قائمة على اساس المحاصصة، بل على اساس المصلحة الوطنية وان تكون هذه القرارات سيادية غير مفروضة من جهات وسفارات اجنبية مستغلة ما يعاني منه البلد من ازمات. ونحن اذ نؤكد على ضرورة تحصين الوحدة الوطنية وترسيخ العيش المشترك وحفظ السيادة الوطنية من خلال التمسك بالمعادلة الماسية التي حمت لبنان وحررت ارضه وحفظت شعبه ، فإننا نشجب ونرفض كل مشاريع التجزئة والتقسيم ومشاريع الفدرلة التي اطلت براسها من جديد عبر بعض الدعوات المشبوهة، وندعو اللبنانيين الى التصدي لها بتعزيز تضامنهم الوطني من خلال تلاحم الجيش والشعب والمقاومة في الدفاع عن وحدة لبنان واستقراره وسيادته.

كما، نأمل ان تنجح الحكومة في خطة التعبئة العامة لمكافحة جائحة الكورونا التي تحتاج الى تجاوب اللبنانيين معها والامتثال الى توجيهات وارشادات وزارة الصحة التي تبذل بشخص وزيرها وأجهزتها جهودا مشكورة في محاصرة الوباء، ونحن اذ نحذر من التفلت الحاصل في بعض المناطق الذي أدى الى ارتفاع اعداد المصابين، فإننا نطالب الحكومة بالتشدد في تنفيذ الخطة والمواطنين بالالتزام الدقيق بإجراءات العزل الصحي والتباعد الاجتماعي حتى لا نصل الى نتائج لا تحمد عقباها.

ونحن اذ نحيي اليوم العالمي للقدس ونحتفل بعيد المقاومة والتحرير، فإننا نؤكد ان القضية الفلسطينية وقضية القدس ستبقى هي الاساس ويبقى العدو الصهيوني المعتدي والارهابي هو الغدة السرطانية والشر المطلق ، سبباً لكل المشاكل التي تعاني منها بلداننا العربية والإسلامية، والاداة الخبيثة لقوى الاستكبار العالمي التي تعيث فسادا في الأرض، ووسيلة لقهر الشعوب ونهب ثرواتها وبالأخص العدوان الدائم والاثم والاحتلال الجاثم على قلب امتنا فلسطين وقلبها القدس الشريف الذي لن يكون لامتنا وسيلة للتخلص منها سوى المقاومة الشريفة التي اصبحت المخرز في عيون هؤلاء المحتلين والغاصبين والمعتدين ومن وراءهم. ومن هنا نحيّي الذكرى العطرة للامام الخميني المقدس الذي دعا الى جعل اخر جمعة من شهر رمضان يوما للقدس كإعلان عن رمزية هذه القضية حتى تبقى شعلة متوهجة في قلوب ابناء امتنا ورمزا لوحدتها وكرامتها وعنفوانها في مواجهة المستكبرين وبداية لولادة مرحلة جديدة من تاريخنا المجيد يتصدرها ابناؤها المقاومون على كل ساحات وطننا العربي والاسلامي، وعلى امل النصر القريب وتحرير كل شبر من ارضنا المحتلة وعلى رأسها القدس الشريف عاصمة فلسطين الحبيبة، فتحية الى شعب فلسطين وقواه المقاومة الصامدة امام كل المؤامرات وعلى راسها مؤامرة التطبيع من رؤوس الجبن والخيانة، وتحية الى رجال المقاومة والشعب اللبناني الصامد وخصوصاً عوائل الشهداء الذين استشهدوا على طريق مواجهة العدو الاسرائيلي والتكفيري، وتحية خاصة الى مؤسس المقاومة في لبنان وباعثها وباعث نهضتنا الامام المغيب السيد موسى الصدر .

ونتوجه بالشكر لكل من وقف الى جانب لبنان وكان شريكاً في صنع التحرير، ونخص بالشكر الجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية العربية السورية (قيادةً وشعباً وجيشاً) على دعمهما لبنان في ازماته، وندعو الشعوب والدول المحاصرة بفعل العقوبات الاقتصادية الأميركية للاستفادة من تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة الحصار والاعتماد على الخبرات الذاتية، وندعو الحكومة اللبنانية الى الانفتاح على الشرق والتعاون مع الدول الشقيقة وفي مقدمها سوريا والعراق وايران وتفعيل اتفاقيات التعاون وتسهيل التجارة البينية وإقامة مشاريع مشتركة تعزز التضامن العربي والإسلامي.

لك الشكر يا ربي على ان وفقتنا لصيام هذا الشهر الكريم، ونسألك ان تتقبله منا بأفضل القبول، وان تستجيب لنا جميع ما سألناك، وان لا تردنا خائبين ،اللهم فكما ابقيتنا له فأبقنا لامثاله وامنن علينا بالامن والامان والسلام، وبارك لنا في كل ما مننت به وزدنا من فضلك، يا كريم المن يا عظيم الصفح يا حسن التجاوز.

بوركتم وبورك في اعماركم وارزاقكم وذرياتكم. وكل عام وانتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.