كلمة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الرَّاعي في مؤتمر الدَّعوة المسيحيَّة والشَّبيبة

  1. يُسعِدُني أن أفتتح معكم هذا المؤتمر الذي تُنظِّمه الإكليريكيَّة البطريركيَّة المارونيَّة في غزير بعنوان: “الدَّعوة المسيحيَّة والشَّبيبة في عالم اليوم من أجل تنشئةٍ كهنوتيَّةٍ متجدِّدةٍ للألفيَّة الثَّالثة. فأحيِّي سيادة أخينا المطران بيتر كرم المشرف عليها، ورئيسَها المونسنيور جورج أبي سعد والآباء القيِّمين عليها وأعزَّاءنا الإكليريكيِّين، والمحاضرين في هذا المؤتمر.

       2. الموضوع شائكٌ لأسبابٍ متنوِّعة أختصرها باثنين:

الأوَّل: المتغيِّرات الاجتماعيَّة والاكتشافات التِّكنولوجيَّة التي تؤثِّر في العمق على الشَّبيبة في عالم اليوم، بدءًا من سنِّ الطُّفولة وحتَّى التَّقدُّم في سنِّ الرُّشد. ونشهد بالتَّالي روح التَّحرُّر من  القيود والعادات والخضوع للسُّلطة.

الثَّاني: غياب حضور الله في حياة معظم أجيال اليوم، بمعنى أنَّهم يعتقدون أنَّ لا علاقة لله في حياتهم اليوميَّة، وأنَّهم في غنًى عنه. وبالتَّالي تتراجع العلاقة مع الكنيسة ورعاتها وممارسة الأسرار. لكنَّ هذا الواقع يتطلَّب شهادةً أفضل من رجال الكنيسة، أساقفةً وكهنةً ورهبانًا وراهبات، إذ يشكو شعبنا من سوء أدائها، ويضعف التَّوق إلى الدَّعوة الكهنوتيَّة والرَّهبانيَّة، كما تضعف الأمانة والحماس في عيشها لدى الذين لبَّوها، بحيث تبدو كحالةٍ اجتماعيَّةٍ، تؤمِّن لهم الاستقرار.

3. تَعقِد الإكليريكيَّة هذا المؤتمر، لأنَّ الآباء المعنيِّين بتنشئة الإكليريكيِّين بحاجةٍ ماسَّة إلى معرفة واقع المدعوِّين إلى الكهنوت والحالة الرَّهبانيَّة من أجل إيجاد أفضل السُّبُل لتوفير التَّنشئة لهم؛ ولأنَّ المدعوِّين أنفسهم بحاجة إلى معرفة ذواتهم في إيجابيَّاتها وسلبيَّاتها من أجل التَّقدُّم في ما هو إيجابيٍّ وإصلاح ما هو سلبيّ. وتبقى الحكمة اليونانيَّة القديمة حاجةً لكلِّ جيلٍ وهي: “إعرفْ نفسك”.

إنَّ الاستطلاع الذي أعدَّته “أكاديميَّة القيادة والإدارة” لهذا المؤتمر يُشكِّل خير دليلٍ لموضوعه، وأصدقَ منبِّهٍ لنا جميعًا.

3. التَّنشئة تعني تكوين الشَّخص المدعوِّ على صورة المسيح. وبحسب اللَّفظة الفرنسيَّة “formation” تعني إعطاءه الصِّيغة الملائمة لدعوته. ما يتطلَّب تعاون كلٍّ من الموجِّه والمدعوّ، المربِّي والطَّالب. عندما خلق الله الإنسان، كوَّنه على صورته (تك26:1).

التَّنشئة الكهنوتيَّة المتجدِّدة للألفيَّة الثَّالثة“، موضوع هذا المؤتمر، تقتضي العمل مع كلِّ مدعوٍّ، انطلاقًا من واقعه الخاصّ المختلف عن سواه، والمتأثِّر بمتغيِّرات الألفيَّة الثَّالثة، على أن يتصوَّر بصورة المسيح، على هدي الشُّرعة الجديدة للتَّنشئة الكهنوتيَّة التي أصدَرَها مجمع الإكليروس في 8 كانون الأوَّل 2016، بعنوان: “عطيَّة الدَّعوة الكهنوتيَّة: الشُّرعة الأساسيَّة للتَّنشئة الكهنوتيَّة”.

المدعوُّ إلى الكهنوت يريده المسيح، الكاهن الأسمى، أن يعطي باسمه سرَّ الافخارستيَّا للعالم، ويغفر الخطايا، ويكرز بالإنجيل، ويقود الجماعة بالحقيقة والمحبَّة. الكهنة ضروريُّون للعالم، كما المسيح ضروريٌّ هو.

المدعوُّ إلى الحياة المكرَّسة مدعوٌّ ليتصوَّر بصورة المسيح، الفقير والعفيف والمطيع، من أجل عيش المحبَّة الكاملة، وتكريس ذاته لخدمة الله والكنيسة.

المدعوُّون إلى الحياة الزَّوجيَّة يُريدُهم المسيح أن يعيشوا حبَّهم الزَّوجيَّ بالتَّفاني وهبة الذَّات، على مثال حُبِّه للكنيسة (راجع أفسس25:5)، وأن يشكِّلوا جماعة حُبٍّ وحياة، تعيش بروح المسؤوليَّة رسالة الأبوَّة والأمومة المسؤولة (رسالة البابا يوحنَّا بولس الثَّاني ليوم الدَّعوات 1985، 3).

4. على كلِّ حال يجب التَّأكيد لكلِّ شابٍّ أنَّ المسيح الرَّبَّ يُحبُّه ويَدعوه ويُرسِله، أيًّا تكن دعوتُه في الحياة. أكانت إلى الكهنوت أم إلى الحياة المكرَّسة أم إلى الزَّواج أم إلى العزوبيَّة. أجل يسوع يُحبُّ الشَّباب وينظر إليهم بحبٍّ، كما نظرَ يومًا إلى ذاك الشَّابّ (مر21:10)، لأنَّه يريد أن يكون رفيق دربهم ومعلِّمهم الحقيقيّ ودليلهم إلى طريق سعادتهم. ويسوع يدعوهم، لأنَّ حبَّه لهم يفتح أمامهم طرقًا مختلفة. الجميع “مدعوُّون” بحكم المعموديَّة، وفي إطار هذه الدَّعوة العامَّة، يختار الرَّبُّ لدعواتٍ خاصَّة. ويسوع يُرسلهم لإعلان الإنجيل في العالم كلِّه. وهذه رسالة كلِّ مسيحيّ. لكنَّ “الحصاد كثيرٌ والفعلة قليلون” … “والشُّعوب كخرافٍ لا راعي لها”، وهي بحاجةٍ إلى رعاة (راجع متى9: 37-38؛ رسالة القدِّيس يوحنَّا بولس الثَّاني لليوم العالميّ للدَّعوات في 12 نيسان 1985، 2-4).

5. بهذا الإدراك، يجب على المرشدين أن يرافقوا الشَّباب بالأسلوب الذي رسمَه قداسة البابا فرنسيس في إرشاده الرَّسوليّ “المسيح يحيا” (25 آذار 2019)، وعلى أساس الخطّ المعتمد في سينودس الشَّبيبة، على مثال مسيرة الرَّبِّ يسوع القائم من الموت مع تلميذَي عمَّاوس (راجع لو24: 13-35). هذا الأسلوب والخطّ هما السَّير مع الشَّباب، والاستماع لهم، وقراءة همومهم وتطلُّعاتهم في ضوء كلام الله، وتمييز دعوتهم، وإرسالهم.

إنَّنا نرجو لهذا المؤتمر النَّجاح في ما يصبو إليه، من أجل نجاح التَّنشئة الكهنوتيَّة المتجدِّدة للألفيَّة الثَّالثة، والتَّوصُّل إلى إعداد كهنة ومكرَّسين ومكرَّسات “يكونون وفق قلب الله” (إرميا 15:3).

مع الشُّكر لإصغائكم!