sexjk.com sexsaoy.com

خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

 

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به أمير المؤمنين (ع) واليه مالك الأشتر عندما ولاه مصر، فقال له: “إلصق بأهل الورع والصدق، ثم رضِّهم على ألا يطروك (لا يمدحوك)، ولا يبجحوك بباطل لم تفعله (يفرحوك بنسبة فعل عظيم لم تكن فعلته)، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو (العجب بالنفس)، وتدنّي من العزة الغرة (التكبّر).. ولا يكوننَّ المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة، وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه (المسيء ألزم نفسه بالعقاب، والمحسن ألزم نفسه باستحقاق الكرامة)”.

بهذه الصّورة، أراد الإمام عليّ (ع) لمواليه أن يكونوا، أن لا يقترب إليهم إلا الصادقون الورعون، وأن يعوّدوهم على عدم الإطراء والثناء والمدح، وأن يكرموا أهل الإحسان، ويعاقبوا أهل الإساءة، ففي ذلك تعزيز لأهل الإحسان للاستمرار في إحسانهم، ودعوة لأهل الإساءة إلى العودة عن غيّهم وضلالهم، وليتحمل كلٌّ بذلك مسؤوليّته.

إنّنا أحوج ما نكون إلى أن تحكم هذه القيم من يتولّون المسؤولية لدينا، لنكون بذلك أكثر قوةً وقدرةً على مواجهة التحديات.

والبداية من لبنان، الَّذي عادت العجلة السياسية فيه إلى الدوران، بعد عودة مجلس الوزراء للانعقاد إثر انقطاع دام أكثر من شهر في أعقاب لقاء المصالحة أو المصارحة الَّذي عُقد في القصر الجمهوري، والذي جمع الأطراف المتنازعة في الجبل برعاية من الرؤساء الثلاثة.

إننا في الوقت الذي نرى أهمية ما جرى من مصارحة، ونقدر كل الجهود التي بذلت من أجل إنجازها، فإننا نرى ضرورة استكمال ما جرى، لإجراء معالجة جادة لكل الأسباب التي أدت إلى حصول الأزمة، فلا تبقى المعالجة بالمسكنات أو أن تكون آنية بفعل ضغوط الخارج، بل أن تكون نتاج وعي الجميع بضرورة إيجاد علاج جذري وسريع لكلّ المشكلات التي تحصل في البلد.

لقد كشف ما حدث في الجبل عن هشاشة الواقع السياسي ومدى الاحتقان الذي يحكم علاقة القوى السياسية وانعدام الثقة فيما بينها، في الوقت الذي يفترض بهذه القوى التي تجتمع في مجلس الوزراء أو في مجلس النواب أن تتعاون فيما بينها لإخراج البلد من أزماته.

لقد تعب اللبنانيون من كل هذا الواقع السياسي، ومن الاستهتار بمصالحهم، في الوقت الذي تستمر معاناتهم في أبسط مقومات الحياة، من الماء والكهرباء والهواء، وتفاقم أزمة النفايات، وتداعيات الوضع الاقتصادي والمالي والفساد والهدر على حياتهم ومقدراتهم، وضغوط الخارج عليهم. 

إنَّ الحلول لن تأتي من الخارج، هي تأتي عندما يشعر المسؤولون بأنّهم أمام شعب لا ينسى؛ شعب يراقب ويحاسب في وقت الحساب. وعندها فقط سيحسبون الحساب لمواقفهم، وسيخرجون من حساباتهم الخاصة إلى حسابات إنسان هذا البلد.

وفي أجواء هذه المعاناة، لا بدَّ من التوقف عند تداعيات أزمة النفايات التي بدأت تطلّ برأسها بقوة، والتي، مع الأسف، باتت تأخذ طابعاً مذهبياً ومناطقياً، وتستدعي معالجة جادة تلحظ مصلحة البلد. 

ولا ننسى أزمة استمرار القنابل العنقودية في الأراضي الزراعية التي أودت بأكثر من ضحية، وآخرها الطفل علي معتوق من بلدة تول، والتي باتت تدعو إلى تحرك سريع وجاد وفعّال لمعالجتها.

أما في فلسطين، فلا تزال الدعوات الصهيونية، وآخرها دعوة وزير الأمن لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، مستمرة، وتواكب باستمرار الاستفزازات والاعتداءات الاستيطانية على الأماكن المقدسة، وبخاصة المسجد الأقصى، في سعي من العدو لفرض التقسيم الزماني والمكاني على المسجد، بما يمهد للتحكّم بشؤونه والسيطرة عليه، وذلك بدعم ورعاية أميركيين.

وهنا نحيي المرابطين في المسجد الأقصى، ومعهم الحشود الفلسطينية من مسلمين ومسيحيين في القدس، الذين تصدّوا بقوة في يوم عيد الأضحى لهجمات المستوطنين على المسجد الأقصى بعد أن حاولوا تدنيسه، بذريعة إحياء ذكرى خراب الهيكل المزعوم، كما ندعو جميع الفلسطينيين إلى الوحدة تحت راية حماية الأقصى، الذي يبدو أنه سيكون، وأكثر من أي وقت مضى، في دائرة الاستهداف الصهيوني، بعد التنامي الكبير لوزن اليمين الصهيوني وجماعات الاستيطان وغلاة اليهود المتعصبين.

أما في اليمن، فإنّنا نعبّر عن خشيتنا من تداعيات المعارك الأخيرة التي جرت في عدن، والَّتي حملت في الكثير من عناوينها العودة إلى مشاريع سابقة استهدفت وحدة هذا البلد، ونحن ندعو إلى تحرك عربي عاجل لوقف كل ألوان الحروب الدائرة في اليمن، واتخاذ موقف موحد وحاسم ضد أي توجه انفصالي، لأن فيه من المضاعفات والمخاطر ما لا يؤدي فقط إلى تفتيت هذا البلد إلى مكونات عدة، بل إنه ينعكس على دول الجوار، والتي، وإن حسب بعضها أنها تخدم نفوذاً هنا أو هناك، إلا أنّها بمفاعيلها قد تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه على مستوى وحدة دول الخليج الّتي تتربص بها القوى الخارجية، ويسعى بعضها إلى إعادتها إلى عصر القبائل المتنازعة، بعيداً عن الرابطة الوطنية والعربية والإسلامية التي تظلّل الجميع.

وأخيراً، إننا نستذكر في هذه الأيام الذكرى الثالثة عشرة للانتصار الَّذي حصل في العام 2006، والذي تجلت فيه بطولة المقاومة، ومعها الجيش اللبناني، وصمود أبناء الجنوب والبقاع والضاحية، واحتضان الشعب اللبناني، والمواقف السياسية الحريصة على هذا البلد وقوته.

لقد أكَّد هذا الانتصار أنَّ إسرائيل ليست قدراً في منطقتنا، وأنّ عربدتها والعبث بأمن بلادنا واحتلال أرضنا، ليس بالقضاء الَّذي لا يردّ، وأنَّ الأخذ بأسباب القوة هو الذي يحقق المنعة للأوطان والأمن لشعوبها.

إننا نرى أن هذا الإنجاز، وهو الأول من نوعه في تاريخ الصراع مع العدو، بمعانيه العسكرية الكبيرة وبالإدارة السياسية المميزة له، سوف يبقى مصدر إلهام لكل الشعوب التواقة إلى التحرر من الاحتلال، ومحطة سياسية من محطات الصراع مع هذا العدو حتى استعادة الأرض وكل الحقوق، ولكنه في الوقت نفسه يدعو إلى مزيد من التراص والوحدة لمواجهة هذا العدو الذي سيسعى جاهداً للثأر من هزيمته.