لعل موجة الثورات والتغيرات في المنطقة العربية أو ما عرف بـ”الربيع العربي”، التي مضى عليها نحو ثماني سنوات، تعدُّ أحد أبرز وأنبل الظواهر في التاريخ الحديث والمعاصر. وبغض النظر عما تعرضت له من هجمات وتشويه وتزوير وموجات مضادة، فقد تميزت بحجم مشاركة شعبي هائل، وبمشاركة واسعة من الشباب، والفئات الشعبية غير المُسيَّسة، وتميزت عند انطلاقتها بالسلمية (بشكل عام) وكانت الأنظمة السياسية هي المسؤولة أساساً عن عسكرتها؛ كما تجاوزت الأمور المطلبية إلى القضايا السياسية الكبرى، وحققت نتائج باهرة في وقت قياسي، فأسقطت أنظمة سياسية، ورفعت سقف الحريات والمشاركة السياسية في العام العربي. كما تمكن الإنسان العربي من كسر حاجز الخوف، ومن التعبير عن مطالبه بشكل حضاري، وكشف الوجه القبيح للأنظمة التي تستعين بالقوة العسكرية والأمنية، وبالقوى الخارجية للمحافظة على بقائها. واستخدمت وسائل إعلامية حديثة فعالة، بما في ذلك الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي كالفيس بوك والتويتر وغيرها.
وبالرغم من أن هذه الثورات عانت من الموجات المضادة، ومن دخول القوى الخارجية على الخط لدعم منظومات التسلط والفساد و”الدولة العميقة”، حتى لو أدى ذلك إلى سفك الدماء ونشر الفوضى، وتدمير النسيج الاجتماعي، وتدمير البنى التحتية والاقتصادية؛ إلا أن هذه الموجة الثورية أعطت بارقة أمل لتغيير حضاري حقيقي قادم، يفرض نفسه من خلال موجة جديدة، تستلهم دروس هذه التجربة وغيرها، وتتجاوز العثرات التي وقعت بها.
نتوقف هنا على عدد من الدروس، من خلال قراءتنا وتحليلنا لتجربة هذه الثورات أو ما عرف بـ”الربيع العربي”. وننبه إلى أن هذه الدروس غير مرتبة حسب الأهمية أو وفق تصنيف معيَّن؛ كما قد تبدو بعض الدروس في ظاهرها متعارضة أو متداخلة مع دروس أخرى، غير أن ذلك مرتبط بإشكالية القدرة على إدارة قضايا متشابكة معقدة، قد يؤدي زيادة وزن بعضها إلى إضعاف قضايا أخرى، وهو ما أشرنا إليه في أحد الدروس حول “إدارة التعارضات والتوازنات والأولويات”. ثم إن هذه الورقة استهدفت وضع النقاط على الحروف، بأفكار وملاحظات مكثفة ومختصرة؛ وتجنبت الخوض في الأمثلة والتفاصيل، حتى تظل في إطار ورقة العمل:

أولاً: أنصاف الثورات هزائم كاملة:
في بعض البلدان كما في مصر وتونس، كان الزخم الثوري قوياً وجارفاً، بحيث يستطيع أن يفرض شروطه، لو استمر حتى نهايته. غير أن المسارعة إلى عمل تسويات تكتفي بقطف بعض الثمار، فوَّت على الثورة ثمرات أخرى مهمة كالتخلص من هيمنة الجيش وقوى الأمن، وفرض منظومة للعدالة الانتقالية تحل مكان منظومة القضاء الفاسدة فيما يتعلق بقضايا الثورة، والإمساك بمفاصل القوة والقرار في البلد كالجيش والأمن والاقتصاد والإعلام…
كل هذه النواقص والثغرات مكنت قوى “الدولة العميقة” من البقاء في مواقعها، ومن تعطيل وإفشال الثورات، التي كانت تفتقر إلى الخبرة وإلى القوة “الخشنة” والصلبة. وهكذا، تؤدي أنصاف الثورات إلى هزائم كاملة.

ثانياً: الارتباك في الانتقال من ريادة المجتمع إلى قيادة الدولة:
بدا واضحاً أن قوى التغيير والثورة لم تكن جاهزة لترجمة نجاحاتها في العمل الجماهيري والاجتماعي، والتعبير عن تطلعات الناس، إلى نجاحات في إدارة الصراع السياسي وقيادة الدولة. ولم تكن ثمة رؤى واضحة للعبور بالمجتمع والمنظومة السياسية، من حالة التخلف والتبعية والضعف إلى حالة نهضوية شاملة، تتجاوز عقبات سياسية واقتصادية ومجتمعية معقدة.
كانت هناك إشكالات أيضاً في البنى القيادية للثورة، وفي تحديد المسارات الأساسية، والبرامج الفعالة خصوصاً لتجاوز المرحلة الأولى باتجاه استقرار النظام السياسي الجديد. وبِقدْر ما برع الإسلاميون في النشاط الاجتماعي والعمل الدعوي والتربوي، وكتابة أدبيات ضخمة في ذلك، بِقدْر ما نجد شُحّاً وضعفاً في الأدبيات المتعلقة بالتغيير والانتقال من المجتمع إلى الدولة، وفي أدبيات إنزال المشروع النهضوي على تكوين النظام السياسي وإدارة الدولة، والاستفادة من إمكاناتها، ومسارات النهوض الاقتصادي، وبناء العلاقات الخارجية… وغيرها.

ثالثاً: إشكالية “الدولة العميقة”:
لم تكن قوى الثورة والتغيير تدرك الحجم الحقيقي لما يُعرف بـ”الدولة العميقة” وقدرتها على التأثير وصناعة الأحداث. إذ راهنت قوى التغيير على حجمها الشعبي الواسع وحماسة الجماهير للتغيير. بينما ملك أنصار النظام المتهاوي قوى “صلبة” وشبكات مصالح، وعلاقات خارجية، وكانوا أكثر وزناً في الجيش والأمن والاقتصاد والإعلام والقضاء، مما مكنهم من استخدام هذه الأدوات بفعالية وإن كانوا أقل شعبية أو حتى مبغوضين من الجماهير بعد انتصار الثورة. وبالتالي، تمكنوا من تشويه الثورة، وتعطيل مساراتها، وإفراغها من محتواها؛ ثم الانقضاض عليها. وعندما اقتضى الأمر بالنسبة لهم، قاموا بنشر الفوضى وسفك الدماء والاستعانة بالقوى الخارجية، واللعب على الوتر الديني والطائفي والعرقي لضرب النسيج الاجتماعي… مقابل الإبقاء على نفوذهم ومصالحهم.
وأيما ثورة تريد أن تقوم وتنجح عليها أن توفر الآليات الكاملة والبدائل للتعامل مع قوى “الدولة العميقة” بشكل منهجي وحاسم. وربما يفيد تصنيف هؤلاء المشمولين بالمصطلح، ما بين فاسدين وظالمين تجب معاقبتهم أو استبعادهم، وما بين أصحاب مصالح يخشون عليها، يجب استيعاب من يمكن استيعابه، وطمأنة من يمكن طمأنته، وتحييد من يمكن تحييده.

رابعاً: التأثير الإقليمي والدولي:
أثبتت تجربة “الربيع العربي” مدى التأثير الكبير للبيئة الإقليمية والدولية على الثورات وحركات التغيير؛ بل إنها أصبحت لاعباً رئيسياً أو حتى اللاعب الرئيسي في صناعة الأحداث في عدد من الدول التي شهدت الثورات. وهو ما انعكس بشكل هائل على مسارات هذه الثورات ومنجزاتها ومخرجاتها.
الكيان الصهيوني الذي شعر بمخاطر وجودية على مستقبله، خصوصاً إذا ما تحولت البيئة الإقليمية إلى بيئة نهضوية معادية، سارع إلى استنفار قواه ونفوذه العالمي لمواجهة الثورات، ولكن من وراء ستار، حتى لا يستفز بشكل أكبر قوى الثورة، وحتى لا يحرج القوى التي يدعم بقاءها أو عودتها.
الولايات المتحدة وحلفاؤها سارعوا للتدخل من وراء حجاب، أو على المكشوف إذا استدعى الأمر، للتحكم بمسار الأحداث وتوفير الإسناد السياسي والمالي والأمني والإعلامي وحتى العسكري لحلفائهم؛ مع وضع المصلحة الإسرائيلية على رأس أولوياتهم؛ وكذلك إفشال قوى “الإسلام السياسي” والقوى الداعمة لخط مقاومة المشروع الصهيوني. كما لعبت الولايات المتحدة دوراً أساسياً في قطع الطريق على القوى الثورية التي حدثت فيها صراعات عسكرية على التزود بالسلاح النوعي ومنعها من حسم المعارك لصالحها. كما لعبت دوراً أساسياً في إطالة أمد الصراع بين الأطراف المتنازعة، وأسهمت من خلال دعم أطراف معينة على حرف بوصلة الثورات العربية من خلال تأجيج الصراع الطائفي والعرقي. والدور الروسي الرئيسي معروف في سورية، بالإضافة إلى محاولته أن يكون لاعباً في عدد من الساحات الأخرى.
أما القوى الإقليمية بما فيها دول الخليج وإيران وتركيا، ذهب كل منها إلى التدخل بما يخدم أجندته وتقاطعات مصالحه… ودخلت لاعباً رئيسياً في مسار الأحداث وفي دعم الأنظمة أو إسقاطها…
وهكذا، وجدت قوى التغيير والثورة التي عبرت في البداية عن تطلعات شعوبها أن وزنها السياسي والفعلي يتضاءل، وأنها لم تعد اللاعب الرئيسي ولا حتى لاعباً رئيسياً في بلدانها؛ بعد أن حلَّت مكانها القوى الإقليمية والدولية، التي سعت لفرض إراداتها من خلال “وكلاء” محليين بغض النظر عن وزنهم السياسي وشعبيتهم الحقيقية. والنماذج على ذلك بالعشرات إن لم تكن بالمئات في مصر وسورية وليبيا واليمن وتونس…

خامساً: العدالة الانتقالية:
كان على أي ثورة تريد النجاح أن تنشئ عدالة انتقالية تتولى التعامل من منظور عادل وثوري وفعّال مع إرث المرحلة السابقة، بحيث يتم اقتلاع عناصر الفساد السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي والإعلامي… في البلد، ويتم قطع الطريق عليها عن أي فرصة للعودة إلى تشكيل منظومات فسادها، والانقلاب على النظام الغضِّ الجديد. كان من الخطأ أن يوكل أمر الإجراءات القانونية إلى المنظومة القضائية للنظام البائد، وأن يوكل أمر مطاردة الفاسدين إلى المنظومة الأمنية السابقة، ولا أمر حماية النظام الجديد إلى رؤوس العسكر المتحالفين مع النظام السابق. ومثلاً، فقد دفعت الثورة في مصر ثمناً غالياً لعدم إنشاء منظومة للعدالة الانتقالية… فقامت المحاكم بإفراغ القضايا ضدّ رموز النظام السابق من محتواها وبتبرئتهم…، وقامت المحكمة الدستورية بتعطيل مسار الدولة الجديدة، وبإعطاء الغطاء للقوى الانقلابية.

سادساً: الرموز والقيادات:
ربما كان أحد مزايا الثورات أنها عبرت عن حالة جماهيرية واسعة، تجاوزت الحزبيات والأشخاص، غير أنها افتقرت بشكل عام إلى القادة الكبار والرموز، الذين يمثلون حالة إجماعٍ أو شبه إجماع وطني؛ والذين يتحولون بسرعة إلى رموز مُلهمة للجماهير، والذين يملكون إمكانات قيادية خاصة تُمكِّنهم من التصرف بحكمة وحزم، ويتحمل الناس معهم عبور المرحلة، بما فيها من اضطرابات أمنية ومشاكل اقتصادية وتغيّرات مجتمعية، دون أن تتضرر صورتهم أو مكانتهم.
وللأسف، فإن حركات التغيير افتقرت لتقديم هكذا نماذج إما لأسباب ذاتية، أو لأسباب موضوعية مرتبطة بأن معظم الثورات لم تحقق انتصارات حاسمة، وبقيت هناك قوى منافسة أو معادية تملك إمكانات إعلامية واسعة قادرة على تشويه الرموز، وتملك أدوات قادرة على إفشال المشاريع والخطط التي تبنتها قوى التغيير وقادتها، والتي كان يمكن أن تحقق نجاحات تلمسها الجماهير على الأرض.
كما أن التحالفات والحكومات، التي كانت تتشكل بصلاحيات ضعيفة أو محدودة لرئيس الدولة أو رئيس الوزراء، لم تكن توفر بيئات أفضل لصناعة الرموز. وهي بيئات لم تكن ترغبها بعض قوى التغيير حرصاً على الديموقراطية، وخوفاً من ظهور دكتاتوريين جدد. وهي وجهة نظر لها وجاهتها، غير القائد على كل الأحوال، كان يجب أن يملك من الصلاحيات ما يمكنه من تنفيذ برامجه، ومن فرض مسار الثورة، والتخلص من قوى التعطيل، ومن حسم عدد من المسارات التي يتسبب تأخيرها في إفشال الثورة وتعطيلها؛ لا أن تكون مرهونة بالمحاصصات واسترضاء بعض قوى الشد العكسي؛ بينما يقوم الإعلام والمتعجلون بجلد ظهر القائد والنظام السياسي الوليد.

سابعاً: ثورة لها أسنان وأظافر:
ربما كان من أبرز معالم الثورات في بداياتها سلميتها، وقدرتها الهائلة على التحشيد الشعبي، وتحقيق منجزات كبيرة بالحد الأدنى من الخسائر البشرية، كما في مصر وتونس واليمن. غير أنه مع سقوط رأس النظام وتقدم المعارضة للقيادة، كان ثمة نقص في أن الثورات كانت طرية غضة لا تملك أدوات القوة لحماية نفسها وعبور المرحلة… ولم تستكمل مهامها “الثورية” في تطهير الجيش والأجهزة الأمنية… ولم تمسك بمفاصل السيطرة عليها. وفي الوقت نفسه، لم تشكل لنفسها قوة ذات طبيعة مؤقتة لحماية الثورة إلى حين ضمان ولاء وفعالية الجيش وقوى الأمن. وهذه من الأمور التي لا يصعب التعامل معها عندما تكون الموجة الثورية قوية كاسحة وفي أوج زخمها. وقد سبق للإيرانيين مثلاً أن أنشأوا الحرس الثوري، كما فعلت ثورات أخرى الأمر نفسه. أما عندما يعود الناس إلى بيوتهم، ويتم امتصاص الزخم الثوري، فإن أصحاب “القوة الخشنة” سيلعبون جيداً بأوراق القوة التي يملكونها. وسيملكون القدرة على التعطيل والإفشال ثم الانقلاب، أو ربما إدخال البلد في حمامات دم؛ وستجد فيهم القوى الخارجية فرصة للتدخل، ومعبراً لإسقاط التجربة. وما مصر واليمن وليبيا عنا ببعيد.
وبالتأكيد فالحالة من بلد إلى آخر ليست متطابقة، غير أن الشعوب التي تحقق انتصارات تؤدي لتغيير النظام، عليها أن تسارع لحماية نفسها، لتفرض هي شروط اللعبة، والتي أول متطلباتها امتلاك القوة. فالأمر ليس مجرد صندوق انتخابات، لأنه من دون “صندوق رصاص” يحميه، يُمكن تزويره أو شراؤه أو استبداله أو تدميره.

ثامناً: المرأة:
ترددت كثيراً في وضع عنوان خاص بالمرأة، إذ إن المرأة شريك حاضر وفاعل في كل الدروس. غير أن البعض يرى تخصيصها بعنوان لتسليط الضوء على دورها الذي قد يتجاهله كثيرون في مجتمعاتنا. ونحن هنا إنما نثبت للمرأة دورها المركزي في الثورات وعملية التغيير ناشطةً وشابةً وقائدةً ومُلهِمة وأماً وزوجة وأختاً وابنة وشهيدة وجريحة وأسيرة. وهو دور ظهرت معالمه في المناطق التي شهدت “ربيعاً عربياً”. وليس ثمة مجال في هذه الورقة للتفصيل فيه؛ غير أننا ننبه إلى أن بعض حركات التغيير لا تولي المرأة ما تستحقه من اهتمام ورعاية وتوعية وتدريب وتأهيل وشراكة لتقوم بكافة أدوارها إلى جانب أخيها الرجل بكفاءة واقتدار. كما أن المرأة، من جهة أخرى، لا تأخذ ما تستحق من أدوار ومهام عند جني الثمار أو عند نجاح الثورة، كشريكة فاعلة في عملية التغيير، وفي البناء الحضاري للنظام السياسي الجديد.

تاسعاً: الشباب:
كان أحد أبرز مظاهر “الربيع العربي” هو المشاركة الواسعة للشباب خصوصاً في المظاهرات التي أدت إلى سقوط عدد من الأنظمة وزعزعة أنظمة أخرى. ما نود الإشارة إليه هنا هو السرعة الهائلة في انتقال الروح الثورية إلى الشباب وانتشارها الواسع بينهم؛ بعد أن ظنت الأنظمة أن عملها لعشرات السنوات من القمع الأمني والتجهيل والسيطرة الإعلامية، والإفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، قد آتى أُكله في عزل الحركات السياسية عن المجتمع، وفي منع انتقال أفكارها إلى الأجيال الشابة. لقد كان انتشار الروح الثورية في الوسط الشبابي مذهلاً وجارفاً وعنصراً حاسماً في نجاح الثورات؛ كما أن عنصري الإبداع والاستعداد للتضحية اللذان وفرهما الشباب كانا أساسيين في تحقيق النجاح.
وهذه الظاهرة يجب دراستها واستيعابها لأولئك الذين يريدون الانطلاق إلى موجة ثورية قادمة، للتعامل معها بالشكل الصحيح وإعطائها حجمها الذي تستحقه.
وفي المقابل، فإن الكثير من الشباب وجد نفسه محبطاً لأن النتائج جاءت بخلاف توقعاته، ولأن تضحياته لم تجد صداها على الأرض، ولأن القيادات التي “قطفت” نتائج الثورة كانت مُحبطة للآمال، وافتقدت للعنصر الشبابي فيما بينها، ولأن صناديق الاقتراع لم تعكس حجم حضور وتضحيات الشباب، بقدر ما عكست أوزان الأحزاب ورموزها وحساباتها وتحالفاتها السياسية.
ربما افتقر بعض الشباب للخبرة، وربما افتقر بعضهم للواقعية، حيث راودتهم أحلام وردية مثالية، وربما تعامل بعضهم بنوع من النَّزَق والاستعجال؛ غير أن الحقيقة التي تبقى قائمة هي دورهم المحوري في الثورة والتغيير، وفشل أو عدم نجاح الأحزاب والقوى السياسية التي تقدمت لقيادة المرحلة في استيعابهم بشكل سليم في أطرها القيادية وفي كوادرها الفاعلة، وبالتالي حرمان هذه الأحزاب من إحداث نقلة نوعية في بُناها التنظيمية وإمكاناتها التنفيذية وقدراتها الإبداعية، والافتقار إلى روح الجرأة والمبادرة التي يمتلكها الشباب.

عاشراً: الفكرة المُلهِمة:
إن خرج الجماهير في مظاهرات مليونية، واستعداداتها الواسعة للتضحية ومواجهة المخاطر، إنما تؤججه “الفكرة الملهمة”، التي تنقلهم من حالة الخمود والإحباط إلى حالة الحركة والمبادرة، والأمل والشعور بإمكانية النجاح وتحقيق الأهداف.
ولا تحتاج الفكرة كتباً فلسفية أو لغة أيديولوجية معقدة أو مادة ثقافية كبيرة؛ بل إن جوهر نجاحها وروعتها يكون في القدرة على تقديمها بطريقة تعكس عمقها ولكن بطريقة سهلة بسيطة يفهمها عموم الناس، ويمكن من ناحية ثانية أن يجتمع عليها أكبر قدر من الجماهير من خلال طرحها لقضية تحظى بالإجماع. وهذا لا يكون إلا إذا عبّرت عن قضية عادلة مُحِقَّة. كما يجب ثالثاً أن تكون فكرة تحمل الأمل والتطلع إلى التغيير. وهي رابعاً فكرة تستحق الخروج من أجلها والتضحية في سبيلها. كما يجب خامساً لهذه الفكرة أن تتجسد في مجموعة من الرموز أو الطلائع القادرين على تحشيد الجماهير وبث روح التغيير في نفوسهم؛ وهي مجموعة يجب أن تتقدم الصفوف وأن تكون الأكثر استعداداً لخوض الميدان ولدفع الأثمان. وكذلك يفترض من ناحية سادسة أن تكون للفكرة إمكانية عملية واقعية للتنفيذ، تدفع الناس “لاستثمار” أرواحهم وأموالهم وأوقاتهم لأجلها.
ربما لا يسهل أن تجتمع كل المواصفات السابقة في فكرة واحدة، ولكن يجب استحضارها على الأقل عند التعامل مع الثورات والتغيير السياسي.
الشعار أو الفكرة الأكثر رواجاً في “الربيع العربي” كانت “الشعب يريد إسقاط النظام”. وفي التاريخ الإسلامي مثلاً كانت الفكرة التي مثّلت جوهر ثورة العباسيين على الأمويين هي أن يكون الخليفة “للرضا من آل محمد” أي من يرضاه المسلمون من عائلة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاءت الثورة الفرنسية مثلاً بالفكرة القائمة على شعارات الحرية والأخوة والمساواة. وجاءت الثورة الشيوعية لتركز على العدالة والاشتراكية. أما ثورات الشعوب ضدّ الاستعمار فركزت على فكرة “التحرير” و”الاستقلال” على أسس وطنية أو قومية أو دينية. وركزت الثورة الإيرانية على فكرة “الجمهورية الإسلامية”، وعلى الاجتماع على زعامة الخميني على أساس فكرة “ولاية الفقيه”. وجاء عدد من الانقلابات العسكرية في البلاد العربية لتتحدث عن محاربة الفساد وعن تحرير فلسطين.
غير أن “الأفكار الملهمة” يمكن أن تُسرق أو تُفرع من مضمونها، أو يتم الالتفاف عليها من القوى المضادة للثورة أو “الدولة العميقة”؛ كما يمكن أن يُسيء لها بعض أصحابها، عندما تشغلهم مغريات السلطان والقوة والثروة وحب الاستئثار بعد نجاح ثورتهم.
ولذلك، فإن الأفكار الملهمة ضرورة لا بدّ منها لعملية التغيير، وجسر أساسي للانتقال من عهد إلى آخر. لكن عدم تَمثّلها في زعامة قوية، أو في رؤية تغييرية بديلة؛ سيجعلها عرضة للسقوط والضياع. ولذلك لم يكن كافياً الحديث فقط عن “إسقاط النظام”، لأنه لم تكن ثمة فكرة جامعة تالية لإسقاطه، كما أن عدم توفر زعامة قوية تحافظ على التحشيد الجماهيري حولها، فتح المجال لضربها من الخصوم والأعداء.

أحد عشر: ما تصلح به هذه الأمة:
العنوان في أصله يعود لعبارة للإمام مالك رحمه الله يقول فيها “لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”. ونحن نقر حقيقة أن ما تصلح به هذه الأمة في المنطقة العربية والإسلامية هو “الإسلام” باعتباره هويتها، وأكثر ما يجمع أبناءها، وقاعدة بنيتها الحضارية والثقافية والاجتماعية وتاريخها المشترك. وليس في إمكاننا في ورقة عمل كهذه أن نوفي حق هذه القضية الجوهرية في سطور، ولذلك ستمسَّ هذه الورقة الموضوع مسَّاً خفيفاً، من خلال التركيز على عدد من النقاط.
النقطة الأولى أن أكثر ما يجمع أبناء المنطقة العربية هو الإسلام، بغض النظر عن المذاهب أو الطوائف. فالمسلمون في بلاد الخليج (الستة) واليمن وليبيا والجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا والصومال وجزر القمر يقتربون من نسبة 100% من مواطني هذه البلدان (98100%). وهم 9396% من مواطني الأردن والعراق ومصر والسودان وجيبوتي، ويزيدون عن 90% من أبناء فلسطين. وبالرغم من الحالة الطائفية المتداخلة في سورية ولبنان، فإن المنتمين إلى “الطوائف” الإسلامية في سورية يزيدون عن92%، ويزيدون في لبنان عن 65%. هذا بالإضافة إلى أن أكثر من 90% من مسلمي المنطقة العربية ينتمون إلى أهل السنة والجماعة.
النقطة الثانية أن الاختلافات بين المسلمين لا ينبغي أن تُستخدم حجة في “إلغاء” مرجعية الإسلام وكونه قاعدة جامعة للوحدة. إذ تبقى للمسلمين قواعد أساسية تجمعهم والكثير من عناصر الفهم المشترك للحياة وعمارة الأرض اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً. كما أن الاختلاف هو ما ينطبق على الأيديولوجيات الأخرى، فالعلمانية لها مدارسها ومذاهبها، وكذلك الديموقراطية وتطبيقاتها، وقس على ذلك الاشتراكية والشيوعية والليبرالية والقومية والوطنية… كل منها له عشرات المدارس والتطبيقات.
ويتنازع أصحاب الأيديولوجيات الأخرى، ويختلفون ويتحاربون بحسب مصالحهم ورؤاهم. وعلى سبيل المثال فقومية عبد الناصر واشتراكيته، كانت مخالفة لقومية حزب البعث واشتراكيته، ولم تمنع بعثية النظامين السوري والعراقي من أن يكونا متخاصمين متعاديين. كما أن العلمانية (الوطنية والقومية، الجمهورية والملكية والانقلابية، وتطبيقاتها الرأسمالية والاشتراكية…) التي طغت على طبيعة الأنظمة العربية طوال السبعين سنة الماضية، لم تقدم نموذجاً ناجحاً واحداً، وفشلت مشاريع الوحدة على أساسها، كما فشلت مشاريعها في الإصلاح والنهضة، وأنتجت لنا منظومات سياسية فاسدة مستبدة تابعة مشوَّهة.
ثم إن الهروب من مرجعية الإسلام بحجة وجود “طوائف” للمسلمين، قد يدخل المنطقة في إشكالات أعقد وأعوص، فالهروب مثلاً إلى القومية في العراق، يخرج الأكراد الذين هم ربع السكان. والإشكالية القومية حاضرة في شمال إفريقيا (المغرب العربي) بين العرب والأمازيغ، وحاضرة في السودان بين العرب والسود. وبالتالي يظل الإسلام هو قاعدة الالتقاء المشترك الأوسع لأهل المنطقة.
النقطة الثالثة أن هوية المنطقة طبعتها الهوية الحضارية الإسلامية على مدى الـ 1400 سنة الماضية، وهي هوية جامعة لم تستوعب القوميات فقط، وإنما استوعبت أبناء الأديان الأخرى الذين شاركوا في البناء الحضاري بكافة جوانبه، في بيئة هي الأفضل من ناحية الاستيعاب والتسامح والشراكة، مقارنة بالحضارات والبلدان الأخرى. ومعظم ما نراه من إشكالات طائفية ودينية معاصرة تعود بخلفياتها إلى الظاهرة الاستعمارية في منطقتنا، التي سعت إلى تأجيج عناصر الخلاف في بيئتنا الحضارية والمجتمعية.
النقطة الرابعة أنه ثبت بالتجربة أن الإسلام هو الأقدر على تحشيد هذه الأمة وطاقاتها، وأن التيارات الإسلامية (أو على الأقل تلك التي تستند إلى مرجعيات دينية، أو تلك التي لم تُعادِ الدين وظهرت متصالحة معه أمام جماهيرها) كانت هي الأنجح في اكتساب ثقة الجماهير، وهي الأكثر بروزاً في مواجهة الاستعمار ومقارعة الاحتلال، وفي محاربة الفساد والاستبداد. وأنه لا يوجد تيار أو شخص أو رمز عادى هذا الدِّين، ثم وجد له مكاناً حقيقياً بين أبناء هذه الأمة أو المنطقة. وبالتالي فإن الرافعة الأساسية لتغيير حقيقي لهذه الأمة وهذه المنطقة هو الإسلام. ولا نقصد هنا الإسلام كمجرد “أداة”، بل كحالة سعي حقيقي لأبناء هذه الأمة لنيل رضا ربهم، وكحالة انسجام وتوافق حقيقي بين أبناء هذه الأمة ودينهم وهويتهم وتراثهم وحضارتهم، بما يفجر طاقاتهم بأفضل الطرق، وبما يعبر عن عزتهم وكرامتهم واستقلالهم، ودورهم الريادي الحضاري بين الأمم.
النقطة الخامسة أن الانتخابات الحرة النزيهة في البيئة العربية أثبتت تقدّم التيارات الإسلامية ونيلها لثقة الجماهير، بالرغم مما عانته وتعانيه من حملات لقمع المنظم، وحملات التشويه والإسقاط والتدخلات الخارجية، و”الفيتو” على قيادتها السياسية للدولة. مع أننا من جهة أخرى (وكما أشرنا في الدروس الأخرى) لا نعفي الإسلاميين من جوانب الضعف والتقصير المختلفة، إلا أنهم في معظم الأحوال لم يحظوا بفرص “عادلة” للقيادة السياسية كما حظي بها غيرهم.
النقطة السادسة أن الرعب من “الإسلام الحركي” أو “الإسلام السياسي” كان كبيراً لدى الكيان الصهيوني، ولدى القوى الغربية العالمية، ولدى الأنظمة العربية الفاسدة والمستبدة. فعملت بكل قوتها على تشويهه وإفشاله وإسقاطه. كما عمل إعلامها “الأسود” ليل نهار على إبراز الممارسات الخاطئة لبعض الاتجاهات المتطرفة الهامشية في الساحة الإسلامية (داعش وغيرها) وتضخيمها وجعلها وكأنها الحالة العامة؛ من دون أن تجيب هذه الأنظمة عن خلفيات وأسباب نمو وانتشار هكذا حالات، ومن يقف وراءها ومن هو المستفيد الأكبر منها؟! أما التيارات الإسلامية التي تعبر عن الإسلام بوسطيته واعتداله ومحتواه الحضاري؛ فهي التي يتم محاربتها ومحاصرتها أو وضع سقف لعملها، بحيث يتم إبقاؤها على هامش الحياة السياسية أو جزءاً من “ديكورات” النظام السياسي. والسبب الأساسي لهذا “الرعب” هو أن التيارات الإسلامية المعتدلة تتميز باتساع شعبيتها، وبقواعدها الشبابية النشطة، وبإمكاناتها البشرية المختلفة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، وتملك مشروعاً نهضوياً حضارياً، يجعلها بديلاً جاداً عن الأنظمة القائمة. كما أن لديها رؤية جذرية لمواجهة المشروع الصهيوني وتحرير فلسطين (بغض النظر عن طريقة تقدير بعضها للحجم الذي تعطيه للقضية في مرحلة ما).
وفي ظروفنا الحالية، قد يجد البعض حرجاً أن يوضع هذا الدرس بين الدروس، باعتبار أنه قد يثير الحساسيات لدى بعض القوى الوطنية والقومية… التي تتبع مدارس أيديولوجية مختلفة، ولها أدوارها في المشاركة في الثورات وتغيير الأنظمة الفاسدة (مع العلم أنه لا تعارض بين المشاعر الوطنية والمشاعر القومية وبين الإسلام، الذي يستوعبها بشكل إيجابي، ويجعل خدمة الوطن والدفاع عنه واجباً شرعياً…). ونحن نقول إن توضيح “الإسلاميين” لرؤيتهم وأهدافهم وبرامجهم، لا يتعارض مع سعيهم للبحث عن المشترك وعمل التحالفات وبناء “شبكات الأمان” مع القوى الأخرى المخلصة. كما أن هذه القوى عندما تتحدث عن مستقبل المنطقة، وعندما تحاول استخلاص الدروس من “الربيع العربي”، لا تتردد في تقديم الأيديولوجيات التي تؤمن بها، فيصبح من واجب “الإسلاميين” أن يقدموا ما لديهم بقوة وثقة وانفتاح وبروح المسؤولية.
ولذلك، لا ينبغي “للإسلاميين” الخجل من “دينهم”، ولا من مشروعهم الحضاري، ولا ينبغي لهم الاعتذار عنه، أو التواري خلف مقولات استرضائية؛ بل إن جانباً أساسياً من احترام الآخرين لهم، هو في “احترامهم” لأنفسهم، وفي ثقتهم بمشروعهم، وقدرتهم على الدفاع عنه، والدعوة إليه بالوسائل الحضارية. وهذا طبعاً لا يعني أن لا يبحثوا عن “المشتركات” مع غيرهم من القوى والتيارات والشخصيات، ولا يعني ألا يراعوا فقه التدرج والمصلحة والأولويات، ولا يعني ألا يستوعبوا ويتعاملوا بإيجابية وواقعية مع الحقائق على الأرض وموازين القوى المختلفة.

اثنا عشر: فلسطين كرافعة:
فلسطين قضية الأمة العربية والأمة الإسلامية، وجرحها النازف، وعنوان كرامتها وعزتها؛ والمشروع الصهيوني لا يستهدف فلسطين وحدها، وإنما يجثم في قلب الأمة، وفي قلب المنطقة التي تتوسط جناحي العالمين العربي والعالم الإسلامي والتي تفصل آسيا عن إفريقيا. وهو مشروع شرط قوته واستمراره مرتبط بضعف هذه الأمة وانقسامها وتخلفها؛ كما أن نهضة هذه الأمة ووحدتها مرتبط بالتخلص من المشروع الصهيوني وبتحرير فلسطين.
وقد اعتاد زعماء الانقلابات في عالمنا العربي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين على تبرير قلب الأنظمة بسبب تقصيرها في حق فلسطين؛ فكان خطاب التعبئة والتحرير خطاباً، بغض النظر عن مصداقيته، يلمس هموم الجماهير ووترها الحساس، فتستجيب له، ويستخدمه النظام الجديد رافعةً له، وأحياناً عذراً لتقصيره، بل وأحياناً مطية لإجراءاته الأمنية والتعسفية.
اللافت للنظر، أن قوى الثورة في “الربيع العربي”، والتي كانت بالتأكيد، وعلى رأسها الإسلاميون، هي القوى الشعبية الأبرز في الدعم الحقيقي لفلسطين، بل وضحت وسُجنت وطوردت نتيجة دعمها لهذه القضية، حيث كانت تتعامل مع القضية كرسالة وواجب، وليس مجرد أداة؛ فإنها عندما صعدت للقيادة السياسية، لم تتعامل مع فلسطين بالدرجة المأمولة التي تعكس حقيقة موقفها الشعبي… وهو ما سيقدم رافعة حقيقية، توفر له حاضنة شعبية واسعة. بل وتردد البعض في اتخاذ مواقف واضحة أو حاسمة، بحجة عدم استثارة الأعداد والخصوم، بينما كان الأعداء يفركون أيديهم فرحاً لعدم إنزال فلسطين منزلتها المستحقة، كعامل أساس وملهم في تكريس هوية الأمة، وفي إعادة توجيه بوصلتها، واستعادة كرامتها؛ بل وتحصيناً للثورة وإثباتاً لمصداقيتها… إذ إن مفهوم الثورة بحدّ ذاته مفهوم مرتبط أساساً بالحرية والتحرير والكرامة. كما أن أحد شروط النهضة والوحدة، وبالتالي أحد شروط نجاح الثورات، هو الانفكاك عن الهيمنة الصهيونية والغربية… وهي رسالة يفهمها المواطن العادي.
كان الخطاب المتعلق بفلسطين في عدد من هذه الثورات دون المستوى، أو رمادياً مرتبكاً خجولاً… فضاعت أحد أهم عناصر التحفيز والقوة لدى الثورات؛ بينما أتاح ذلك لخصوم تنقصهم المصداقية، الفرصة للهجوم على الثورات نفسها، بحجة تقصيرها في حق فلسطين.

ثلاثة عشر: شبكة أمان وطنية:
تحتاج كل ثورة إلى شبكة أمان وطنية، تمثل الأغلبية الشعبية والقوى السياسية الفاعلة على الأرض، التي تلتقي على المشتركات الأساسية، بحيث تقدم الحماية المناسبة للثورة خصوصاً في المرحلة الانتقالية. ويجب أن تتشكل من القوى القادرة على فرض إرادتها على مسار الأحداث، وعلى قطع الطريق على الانقلابات العسكرية، وعلى محاولات تمزيق وتفتيت قوى الثورة، وعلى مواجهة التدخلات الخارجية.
ومهما كان الاتجاه الرئيس قوياً، فعليه أن يوسع دائرة تحالفاته، ويعطي شركاءه المتوافقين معه على المسارات العامة أدواراً حقيقية؛ بحيث تنتزع الثورة الاعتراف الإقليمي والدولي، وبحيث تصبح الثورة عصية على الحصار الخارجي، وبحيث لا يتم الاستفراد بالتيار الرئيس، ولا يتم استخدام القوى المتنافسة في ضرب بعضها بعضاً، ولا يكون بعضها “حصان طروادة” للتدخل الخارجي.

أربعة عشر: شبكة أمان إقليمية:
بينما انشغلت الثورات بهمّها الوطني، وانكفأت على ذاتها، لتؤكد أنها غير “عابرة للحدود”، وحاولت أن تُطمئن بعض القوى المحلية على هويتها الوطنية، وأن تُطمئن القوى الغربية على عدم وجود طموحات “قومية” عربية، أو “إسلامية” “أُمتيّة”؛ قامت قوى إقليمية بتنسيق جهودها فيما بينها، ومع قوى دولية للإطاحة بالثورات، بينما كان إعلام هذه القوى يصب جام غضبه على قوى الثورة، ويتهمها باللا وطنية والطموحات العابرة للحدود ( وكأن الانتماء للأمة وتبني قضاياها، ليس مصدر فخر وإنما منقصة يُخجَل منها)، لتجد الثورة نفسها في حالة دفاعية، وليجد بعضهم في الانكفاء الداخلي دليلاً على وطنيتهم.
وكان الأولى بقوى الثورة أن تبحث عن شركائها الإقليميين، وأن تلجأ إلى “الإسناد المتبادل” فيما بينها، فتدعم بعضها بعضاً للوقوف على أقدامها، دون أن تخجل من هويتها، ولا من انتمائها لأمتها العربية والإسلامية، بالإضافة إلى منظومة المصالح التي تجمعها. ولو استُخدم هذا الأسلوب بفعالية في بداية الثورة بين مصر وليبيا وتونس، وانضمت لهم السودان التي كانت قريبة من خطهم، لربما صَعُب على القوى المضادة للثورة الاستفراد بكل دولة على حدة.
من جهة أخرى، كان ينبغي إدارة حوارات مفتوحة مع عدد من القوى الإقليمية الوازنة، للبحث عن المشتركات والمصالح المتبادلة والبناء عليها، ولتبديد العديد من المخاوف والشكوك التي لم تكن في مكانها؛ حيث أخذت هذه الدول الكثير من معلوماتها من الإعلام الغربي ومن أدواته المخابراتية والدبلوماسية؛ فصار لها مواقف معادية منذ البداية. ولم يكن من الضروري أن تقوم الثورات بإقناع الدول الإقليمية بدعم الثورة، ولكن كان من الممكن تخفيف عداوتها وتخذيلها عن الاصطفاف ضدّ الثورة، وإبراز الجوانب الإيجابية للتغيير (ربما في الإطار الاقتصادي، والنهضوي، والأمن القومي أو الإقليمي للمنطقة، ومواجهة المخاطر المشتركة…)؛ بل وربما في تحذير من يحاول التدخل في الشؤون الداخلية للثورات من مخاطر وانعكاسات ذلك عليه وعلى البيئة الإقليمية، سواء اتخذ ذلك شكل تدخل غربي وصهيوني معادٍ للأمة، أم شكل تراجعٍ اقتصادي؛ أم شكل فتنةٍ طائفية وعرقية.
وبالتأكيد، فالأمر ليس سهلاً، وربما كان صعب المنال، ولكنه كان يستحق المحاولة كأحد أدوات إنجاح الثورة واستمرارها.

خمسة عشر: شبكة أمان دولية:
كان من الممكن للثورات أن تطور شبكة علاقات دولية أفضل، لو استفادت بشكل فعّال من العديد من القوى الدولية، التي تبحث لها عن شراكات وتعاون سياسي واقتصادي وعسكري مع دول الثورات، في ضوء مصالحها، وفي ضوء تنافسها مع القوى الأمريكية والغربية المعادية للثورة. وهو ما ينطبق على روسيا والصين، وينطبق بدرجات متفاوتة على بلدان مثل الهند وجنوب إفريقيا والبرازيل، وحتى بعض الدول الأوروبية. وهو ما لم يأخذ الاهتمام الكافي من قوى الثورة.
كان الجو العام هو الميل إلى طمأنة الأمريكان، الذين حسموا أمرهم، ولو بشكل ناعم، باتجاه دعم القوى المضادة للثورة، أو محاولة إعادة توجيهها باتجاهات تخدمهم، أو تحرفها عن بوصلتها. بينما كان ينبغي بذل جهد أكبر لتطوير شبكة مصالح مع القوى المنافسة لأمريكا، لتتحول مع الزمن إلى نوع من شبكة الأمان، لا تشكل بالضرورة أساساً لنجاح الثورات، ولكنها تمثل على الأقل حداً أدنى دولياً مطلوباً، وعنصر إسناد وصمود لتجاوز تغييب دول الثورات عن المشهد الدولي، ولتمنع الأمريكان (ومن في فلكهم) من الاستفراد بإدارة اللعبة السياسية في المنطقة.

ستة عشر: اقتصاد الثورة… وثورة الاقتصاد:
عندما تنطلق الثورات تخرج أساساً طلباً للحرية والكرامة، وهي في الوقت نفسه تخرج في مواجهة الفساد والظلم؛ والذي من أكبر تجلياته “إهلاك الحرث والنسل”، وسرقة أقوات الناس، وحرمانهم من حقوقهم. وميدان الاقتصاد من الميادين الحيوية الحساسة. وإذا كان ثمة حاجة ضرورية ألا يُخدع الناس بوعود “الحليب والعسل” في المراحل الانتقالية التي تتصف عادة بزيادة الأعباء والمعاناة، فلا تتم محاسبة الثورة على ما لا تملكه وما لا تستطيعه؛ فإن الواجب من جهة أخرى، أن تملك الثورة منذ البداية رؤية اقتصادية متناسبة مع تطلعاتها الثورية، وأن تشعر الجماهير أن ثمة فرقاً قد حدث على الأقل على صعيد ضرب الفساد، ووقف مظاهر الهدر والإسراف والبذخ ، وتقديم النماذج النظيفة، ورد الحقوق والمظالم. وأن تكون قادرة على تصنيف إجراءاتها ومرحلةِ خطواتها: بين ما يحتاج قرارات ثورية حاسمة، وبين ما يحتاج إلى إجراءات علاجية إسعافية طارئة، وبين ما يحتاج خططاً قصيرة أو متوسطة أو طويلة المدى. وعليها أن تخرج من أسر الإطار “الكلاسيكي” للخطط الاقتصادية، دون أن تدخل في مغامرات غير محسوبة تُودي بالثروات، أو تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال. وهي معادلة في غاية الصعوبة. وفي الوقت نفسه، عليها السعي للاستفادة من الكفاءات الوطنية واستعادة العقول ورؤوس الأموال المهاجرة، وإبداع حلول ووصفات غير تلك التي يقدمها البنك الدولي وأمثاله.
في كل الثورات تحدث اختلالات مرتبطة بعمليات الاستبدال، لأن كثيراً من رؤوس الأموال ارتبط نموها بمنظومة الحكم الفاسد السابق، ولأن كثيراً من الاستثمارات الأجنبية ارتبط وجودها برعاية النظام السابق، وبالشروط المجحفة التي يتم من خلالها استغلال البلد، أو إنها “رأسمال سياسي” لخدمة أجندات قوى إقليمية أو عظمى. وحتى يستقر الأمر للنظام الجديد فلا بدّ من رؤية اقتصادية ثورية قادرة أساساً على الاعتماد على الجماهير في ملأ الفراغ وعبور المرحلة… غير أن التأخر أو الارتباك أو الضعف في الأداء، سيؤدي إلى حالة إحباط جماهيرية تنفذ فيها القوى المعادية لإسقاط الثورات.

سبعة عشر: الحرية الإعلامية… وإعلام الحرية:
تُطلِق الثورات الحريات الإعلامية لأن قمع الإعلام هو أحد معالم الأنظمة المستبدة، ولأن الحرية الإعلامية درع لحماية الثورة، وتوعية الجماهير، وكشف الفساد، ونافدة للإبداع، وأداة فعالة للتغيير الاجتماعي والثقافي والتربوي والاقتصادي، ووسيلة فعالة لإبراز رموز الثورة وبرامجها.
في عدد من بلدان الثورات حدثت عدة اختلالات خطيرة، بعد أن هدأت موجة التغيير الجماهيرية، فلم يتطور إعلام فعّال مكافئ يحمل رسالة الثورة وهمومها، ويتواصل بفعالية مع الجماهير، ويُبقي على حرارة القضية التي قامت الثورة لأجلها. ولم يوفر النظام الجديد بيئة إعلامية قوية تحمي الثورة وتدافع عنها، كما لم يضع حدوداً أو خطوطاً حمراء للعمل الإعلامي لخصوم الثورة وأعدائها؛ فقامت تلك الأطراف التي تملك المال والخبرات والمؤسسات والدعم الخارجي، باستغلال الحرية الإعلامية لتحطيم الثورة وتشويه رموزها وتقزيم منجزاتها، والتجهيز للانقلابات المضادة. حدث ذلك بشكل واضح في مصر وغيرها. ولم يتردد الانقلاب في مصر من إغلاق القنوات الفضائية والوسائل الإعلامية في الساعات الأولى لانقلابه ليسيطر على الخطاب الإعلامي في بلده. وكان الأَوْلَى بقوى الثورة التي كانت ترى بأم عينيها كيف يتم شيطنتها والتحريض ضدها ألا تقف صامتة بحجة حرية الإعلام؛ وأن تحمي نفسها إعلامياً قبل أن تجد نفسها معزولة محاصرة.
لم يرَ التاريخ الحديث والمعاصر إعلاماً أسوداً ينضح بالدجل والتشويه والحقد الممنهج، كما في الإعلام الذي هاجم حركات وثورات التغيير، وخصوصاً التيارات الإسلامية. وهو إعلام صرفت فيه قوى محلية وإقليمية ودولية مئات الملايين، وضخّت في مجاريه سيول هائلة من الأضاليل… حيث حوّلها التكرار ومهارات العرض إلى “حقائق” و”مسلمات” لدى كثير من العامة، بل وحتى المثقفين. إن تجربة “الإعلام الأسود” هي تجربة تستحق الدراسة كظاهرة مصاحبة للموجات المضادة، وكأحد أبرز عمليات التزوير والتضليل في التاريخ.

ثمانية عشر: منظمات المجتمع المدني والهيئات الشعبية:
كان ينبغي للحراك الشعبي والنبض الجماهيري أن يحافظ على زخمه، من خلال هيئات شعبية مساندة ومن خلال مؤسسات المجتمع المدني، التي يمكن أن يكون لها دور مهم في العملية الانتقالية باتجاه استقرار النظام “الثوري” الجديد. غير أن هذا الحراك لم يكن بالمستوى المطلوب. والأخطر من ذلك أن هناك جهات معادية للثورة حاولت الاستفادة من غطاء هذه المؤسسات (كما استفادت جهات خارجية من فروع مؤسسات غربية)، فقدمت المال والخبرة والغطاء الإعلامي لبعضها، للدخول في “أحشاء” الثورة، وضربها من الداخل… سواء بتضخيم المطالب الشعبية مما ليس في قدرات الثورة لنشر الإحباط، أم بالتركيز على بعض الجوانب السلبية، أم بمحاولة حرف مسار الثورة وإنهاكها بإشكالات وقضايا اجتماعية في غير أوانها… .

تسعة عشر: وسائل التواصل الاجتماعي:
أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي نقلة نوعية في بيئة الثورات التي رافقت “الربيع العربي”. فقد تمكنت الجماهير من كسر الاحتكار الحكومي للإعلام، ومن استخدام وسائل التواصل بكثافة عالية (فيس بوك، واتس أب، تويتر، انستغرام، يوتيوب، سناب شات… وغيرها)، وهو ما شكلَّ إعلاماً بديلاً ووسيلة أساسية للتعبئة والتحريض، ولتنظيم المظاهرات والتجمعات، وللرد على الأنظمة وأدواتها، وكشف عوراتها وفضائحها.
ولا شكّ أن هذه الوسائل أصبحت علامات فارقة في “الربيع العربي”. وبالرغم من أن الأنظمة لجأت إلى أساليب الإغلاق والتعتيم، وصرفت الأموال “الذباب الإلكتروني” وعلى فضائيات وصحافة مؤيدة، واشترت ذمم شخصيات إعلامية وفنانين وممثلين، إلا أن هذه الوسائل ظلت وسائل رئيسية في التعبئة والتحشيد؛ وما تزال تشكل مصدر أرقٍ للأنظمة أو مصدر تفجير محتمل.
ولأن هذه الوسائل تحفل بالغثّ والسمين، وبالمعلومات الصادقة والأكاذيب والشائعات، وبالصور والبيانات الصحيحة والمزورة؛ فإن على رواد حركات التغيير إعطاء أولوية كبرى لهذه الوسائل، مع الحفاظ على أقصى درجات المصداقية، والتواصل مع قطاعات الشباب وتحفيزها لاستخدام هذه الوسائل بالشكل الأفضل، وتفعيل دور الرموز والشخصيات الأساسية عليها، وكشف المواقع المؤيدة للأنظمة الفاسدة المستبدة ومحاصرتها سياسياً وإعلامياً.

عشرون: إدارة التعارضات والتوازنات والأولويات:
ربما كان هذا هو التحدي الأكبر في إيجاد “خلطة سحرية” تتعامل مع كل الجوانب المعايير وعناصر الشدّ والجذب المختلفة (التي أشرنا إليها سابقاً) وإدارتها بحكمة وحزم واقتدار. فلا يمكن إرضاء كل الأطراف، ولا يمكن تلبية كل احتياجات الناس، وما قد يُرضي طرفاً قد يُغضب طرفاً آخر، واستعجال بعض المعارك قد ينهك الثورة، وتأخير بعضها قد يُقوي الخصوم. وعندما تكون الموارد والإمكانات أقل من الاحتياجات والمتطلبات والتحديات، ستفرض الموازنات وعملية اختيار الأولويات نفسها، وهي عملية يجب أن تُدار بذكاء وحكمة وشجاعة. وهذا ينطبق على بناء التحالفات المرحلية وفضّها، وإدارة العلاقات الخارجية إقليمياً ودولياً، وأولويات الإصلاح السياسي والإداري والقضائي والمجتمعي والعسكري والأمني. وضبط المعايير بين التعبير عن الإرادة الشعبية وهموم الناس، وبين استعداء قوى ترى في هذا التعبير خطراً عليها ومدعاة لتدخلها. وكذلك، إدارة التدرج في الانتقال من مرحلة إلى أخرى عندما تتوفر القدرة على تحمّل أعبائها وتكاليفها. وهذا ينطبق على سياسة التعامل مثلاً مع قوى الدولة العميقة، وأصحاب النفوذ ورؤوس الأموال، والقوى الإقليمية والدولية التي تخشى من ارتدادات الثورة عليها.
***

ما زالت هناك دروس أخرى يمكن الحديث عنها، غير أننا سنكتفي بهذه العشرين درساً في هذه الورقة المختصرة، لعلها تُسهم في جانب من المراجعات حول تجربة هذا “الربيع”. وهو ربيع أحدث زلزالاً هائلاً في المنطقة، غير أن أثمانه كانت كبيرة ومؤلمة، حيث دمرت الموجة المضادة الكثير من المكتسبات. وما هو مهم التأكيد على أن المنطقة ما تزال في حالة سيولة وغليان، وأنها تؤذن بموجة ثورية قادمة عارمة، أقوى وأكثر نجاحاً من سابقتها، لعلها تستفيد من تجاربها السابقة.